الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
360
مناهل العرفان في علوم القرآن
والشهوة . ونحن إذا استعرضنا حجج هؤلاء وهؤلاء نلاحظ أن أدلة أمّيته صلّى اللّه عليه وسلّم قطعية يقينية . وأن أدلة كونه كتب وخطّ بيمينه ظنية غير يقينية ، ولم يدع أحد أنها قطعية يقينية . ثم إن التعارض ظاهر فيما بين هذه وتلك . غير أنه تعارض ظاهرىّ يمكن دفعه بأن نحمل أدلة الأمية على أولى حالاته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن نحمل أدلة كتابته على أخريات حالاته ؛ وذلك جمعا بين الأدلة . ولا ريب أن الجمع بينها أهدى سبيلا من إعمال البعض وإهمال البعض ، ما دام في كلّ منها قوة الاستدلال ، وما دام الجمع ممكنا على أية حال . أما لو لم يمكن الجمع فلا مشاحة حينئذ في قبول القطعي ورد الظني ؛ لأن الأول أقوى من الثاني « وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » . . . هذا هو الميزان الصحيح ، لدفع التعارض والترجيح ، فاحكم به عند الاختلاف والاشتباه ، « وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ » . كتابة القرآن بعد ما قصصنا عليك من تلك الفذلكة التاريخية ، في الخطوط والكتابة العربية ، نلفت نظرك إلى أن كتابة القرآن ، وفيناها بحثها في مبحث جمع القرآن ( من ص 232 إلى ص 256 ) وذكرنا هناك كيف كتب القرآن ؟ وفيم كتب ؟ على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم على عهد أبى بكر ، ثم على عهد عثمان ( رضى اللّه عنهما ) . ومنه تعلم أن عناية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بكتابة القرآن ، كانت عناية فائقة . يدلك على هذه العناية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان له كتّاب يكتبون الوحي ، منهم الأربعة الخلفاء ، ومعاوية ، وأبان بن سعيد ، وخالد بن الوليد ، وأبىّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وثابت ابن قيس ، وأرقم بن أبي ، وحنظلة بن الربيع ، وغيرهم . فكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أنزل عليه شئ يدعو أحد كتّابه هؤلاء ، ويأمره بكتابة ما نزل عليه ، ولو كان كلمة ، كما روى أنه